عبد الملك الجويني

263

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثم من يكتفي بالقيام فاصلاً ، فلا شك أنه يمنع الإتيان بذلك عن الجلوس في حال الذكر ، وإنما يقيم القيام مقام الجلسة إذا جرى وفاقاً مع النسيان ، والسبب فيه أن القيام ركنٌ مقصود في نفسه ، فالإتيان به إقدامٌ على زيادة ركن على نظم الصلاة وترتيبها ، فيكون كزيادة ركوع أو سجود . ولو قيل : الجلوس أيضاً يقع في أوانه ركناً ، ويقع به الفصل بين السجدتين ؟ فالجواب أن القيام يخالف مورد الشرع ، ففي الإتيان به إتيان بصورة ركن على خلاف الشرع ، والمتَّبع الشرعُ في العبادات ، هذا أصل الشافعي في قاعدة العبادات . فهذا إذا لم يكن جلس عَقِيب السجدة الأولى من الركعة الأولى ، فأما إذا كان جلس ، ثم قام قبل أن يسجد السجدة الثانية ، نُظر : فإن جلس على قصد الفصل بين السجدتين ، ثم طرأت غفلة أذهلته عن السجدة الثانية ، فقام ، فإذا تذكر ، وقطع القيام ، فلا يجلس ، بل يهوي ساجداً ؛ فإن الجلوس قد أتى به على وجهه ، ثم قام . وإن جلس على قصد جلسة الاستراحة وقام ، فقد أتى بصورة الجلوس ، فإن كنا نقيم القيام مقام الجلوس بين السجدتين ، فلا كلام ، وإن لم نُقمْه مقام الجلوس ، ففي الجلوس الذي أتى به على قصد الاستراحة وجهان : أحدهما - أنه كافٍ ولا حاجة إلى الجلوس عند العود . والثاني - أنه لابد من الجلوس ؛ فإن الجلوَس الذي أتى به قبل السهو نوى به إقامة السنة ، والفرض لا يتأدى بقصد السنة ، وهذان الوجهان كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضىء لمعةً من وجهه في الغسلة الأولى ، ثم تداركها في الغسلة الثانية ، وقصد بالغسلة الثانية إقامةَ السنة ، ففي سقوط الفرض عن اللمعة التي أغفلها وجهان ، تقدم ذكرهما في الطهارة . ولو ترك سجدة من الركعة الأولى ، وقام إلى الركعة الثانية ، ثم تذكر بعدما انتهى إلى الركوع ، فإنه يقطع الركوع ويهوي منه إلى السجود ، كما تقدم ، ثم التفصيل في القعود كما تقدم .